التسجيل في فعالياتنا

مسيرة المؤسسة

مع بزوغ فجر ستينيات القرن العشرين، استيقظ العالم على كويت مستقلة تبدأ بخُطواتٍ حثيثة مشوار البناء المستدام وفق رؤيةٍ مطلعة على الأسُس العلمية لتخطيط الدولة الحديثة والمتقدمة وإدارتها.

فبعد اكتمال الهيكل الدستوري وأركان العمل المؤسسي للدولة، بدأت الكويت، بمُساعدة أفضل العقول العربية والكفاءات، في التوسع التنموي على صعيد البُنى التحتية والثقافية والتنظيمية والمجتمعية، لتبدأ الأمة الفتيَّة في التحول تدريجيًّا إلى شعلةٍ حضارية منيرة تضيء مستقبل التنمية في العالم العربي عمومًا وفي الخليج العربي خصوصًا، وكان الاقتصاد واحدًا من أهم المجالات التي عكست حكمة الرؤية المعرفية، التي بُنيَت عليها التنمية المستدامة للدولة خلال عقود. وجاءت السبعينيات لتعكس الآثار الإيجابية للزخم التقدمي خلال الستينيات، واطلاع الكويتيين على التجارب والنماذج الاقتصادية حول العالم، حيث أدرك القائمون على البلاد، لا سيما المغفور له الشيخ جابر الأحمد الجابر الصباح، أنَّ بناء اقتصادٍ قائم على المعرفة أولويةٌ وطنية واجبة في سبيل تحقيق التنمية المستدامة، وبناءً عليه تعددت المبادرات الكويتية الهادفة إلى تطويع أنجح تلك التجارب ودمجها في نموذجٍ اقتصادي كويتي يُلبِّي الطموحات الوطنية وفق أحدث الآليات والنظريات العلمية، ويستمد نجاحه من كوادر بشرية ومؤسساتٍ ذات كفاءةٍ عالية في القطاعَين العام والخاص، قادرةٍ على تحقيق الكسب المنتظم والطويل، عوضًا عن الكسب السريع قصير الأمد.

مرسوم الانطلاقة:

في عام 1976، وتزامنًا مع التقدم العلمي والتكنولوجي في العالم، اتفقت المساعي الأميرية لتعزيز التنمية المستدامة للكويت واقتصادها المعرفي مع رؤية القطاع الخاص، الذي بدأ في التوسع الاستثماري في مختلف القطاعات؛ فصدر في 12 ديسمبر 1976 القرار الأميري برعاية هذه الرؤية في إطارٍ مؤسسي يضمن نشر العلوم وتنمية البحث العلمي واحتضان المجتمعات العلمية، من خلال إنشاء مؤسسة الكويت للتقدم العلمي بهدف دعم التقدم والرقي في مجالات العلوم والتكنولوجيا، وتشجيع بيئة البحث والابتكار والإبداع في الكويت

وقد حدَّد المرسومُ الكيانَ الفريد للمؤسسة، الذي من شأنه أن يضمن استقلاليتها وفعاليتها في أداء دورها؛ فنصَّ على أن يتولى حضرة صاحب السمو أمير دولة الكويت رئاسة مجلس الإدارة، وأن تكون المؤسسة غير هادفةٍ للربح، محافظةً بذلك على سموِّ مساعيها، كما حدَّدت قوانينُ الدولة أطُرَ إسهام القطاع الخاص في دفع رسالة المؤسسة وضمان استمراريتها، من خلال تخصيص  5% من أرباح الشركات المساهمة، وهي النسبة التي تمَّ تخفيضها لاحقًا إلى 1%، لدعم أنشطتها وأعمالها كنوعٍ من المسؤولية المجتمعية الهادفة إلى تحسين القطاعَين العام والخاص وتطويرهما.

لم تضمن تلك المعادلة تمويل المؤسسة واستدامتها فحسْب، بل جعلتها جزءًا لا يتجزأ من مناخ الأعمال والتنمية في الكويت، فتوثقت صِلاتها بالشركات المساهمة، وتعددت شراكاتها مع كبرى الجامعات والمؤسسات البحثية العالمية للتعاون في مجالات التنمية البشرية والمهنية ورعاية الأبحاث والباحثين، وتوفير حلولٍ حقيقية وملموسة للتحديات التي تواجه الوطن، ممَّا مكَّنها من قيادة توجُّهات البلاد نحو الطاقة المتجددة لمُواجهة تحديات المستقبل وتوطين المعرفة فيها.

محفِّز عالمي للتنمية الكويتية:

ومع تزايد التنافسية في مختلف القطاعات والصناعات في السوق الكويتية في إثر الانفتاح على السوق العالمية، تعزَّز الدور الذي تلعبه المؤسسة في قيادة دفة البحث العلمي والتكنولوجيا والابتكار في الكويت بثباتٍ وسط أمواج التقدم العلمي المتسارعة في كل ثانية، ولا سيما في القرن الحادي والعشرين، الذي تركزت خلاله جهود الدولة، تحت رعاية سمو الأمير الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح -حفظه الله ورعاه، على تزويد الكويت بأحدث الإمكانات والمناهج العلمية في العالم لتحفيز التقدم العلمي في القطاعَين العام والخاص والمجتمع الكويتي عمومًا.

ويُعدُّ القطاع الخاص أحد أبرز مناطق اهتمام المؤسسة وواحدًا من أهم محاور استراتيجيتها الجديدة 2017-2021، نظرًا إلى دوره الرئيسي في تحقيق تنمية الكويت المستدامة. وفي ظل هذا الاهتمام توفر المؤسسة للعاملين في القطاع الخاص من مختلف المستويات الوظيفية فرصة التعرف على أحدث الممارسات العالمية في مجالات اختصاصهم، من خلال منحٍ وبرامج تدريبية  لدى أشهر الكيانات العلمية والبحثية وطنيًّا وعالميًّا، كبرامج تدريب التنفيذيين في هارفارد وبرنامج تحدي الابتكار الذي يجري تنظيمه سنويًّا مع إحدى الجامعات العالمية المتميزة في مجال الابتكار.

كما توسَّعت المؤسسة أخيرًا في برامج التعاون الدولي واتفاقات الشراكة الاستراتيجية، التي تعقدها مع مجموعةٍ من أعرق المراكز البحثية والكيانات العلمية والأكاديمية في العالم، كهارفارد وأكسفورد وكامبريدج، لتعزيز التبادل المعرفي بين الكويت والدول المتقدمة، وإنشاء وعيٍ معرفي وعلمي بأحدث التطورات العلمية والابتكارات في مختلف المجالات لدى المجتمع عمومًا والباحثين الواعدين والقادة التنفيذيين ومتخذي القرار بصفةٍ خاصة.

ويُعدُّ برنامج المنح البحثية من أهم المحاور التي تعتمدها المؤسسة لتعزيز القدرات البحثية والإبداعية على الصعيد الأكاديمي في الكويت والعالم العربي، عبر الدراسات العُليا والزمالات والمنح البحثية والأكاديمية في مختلف المجالات، وتدعيمًا لمُكتسبات هذا البرنامج، أُنشئ برنامج بناء القدرات البحثية لدعم النشاطات والمبادرات الهادفة إلى رفع مستوى الأداء العلمي والبحثي.

كما يُعدُّ برنامج  المشاريع الرائدة محطةً أساسية في طريق الكويت لمُجابهة التحديات ذات الأولوية الوطنية، وبناء اقتصادٍ قائم على المعرفة ، كمشروع توليد الكهرباء في المنازل والجمعيات التعاونية من خلال  الألواح الشمسية، الذي حقق نجاحًا لافتًا في المرحلة الأولى، ومهَّد لإدراج المرحلة الثانية التي تبناها المجلس الأعلى للتخطيط والتنمية على ضوء نجاح المشروع بمرحلته الأولى،  والذي يهدف إلى توريد الخلايا الضوئية وتركيبها وتشغيلها في 10 جمعياتٍ تعاونية و1,500 منزل، وذلك  ضمن خطة الكويت الإنمائية 2017-2020، سعيًا إلى تنفيذ توجيهات صاحب السمو أمير دولة الكويت ورئيس مجلس إدارة المؤسسة الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح -حفظه الله ورعاه- بإعطاء الأولوية للاستفادة من مصادر الطاقة المتجددة لتغطية 15% من الطلب المحلي على الكهرباء بحُلول عام 2030.

ومع تسارع وتيرة التطور العلمي حول العالم، امتدت جهود المؤسسة لتأسيس بيئةٍ حاضنة ومحفزة للابتكار والإبداع ونشر الثقافة العلمية في المجتمع الكويتي بمُختلف فئاته، لتشمل إصدار منشوراتٍ وكتب علمية وثقافية تستهدف مختلف الفئات العمرية ذات الاهتمام المشترك بالعلوم، بالإضافة إلى تنظيم سلسلة ملتقياتٍ علمية ورعايتها على مدار العام، وتدريب المعلمين في وزارة التربية على أحدث تطبيقات مواد العلوم والرياضيات.

كما عملت المؤسسة منذ تأسيسها على إنشاء مؤسساتٍ هادفة إلى تطويع المعارف العلمية في سبيل تحقيق التنمية المستدامة؛ فأنشأت أربعة مراكز علميةٍ متميزة في مجالاتٍ مختلفة، ممثلةً في المركز العلمي، الذي ساعد الأطفال والشباب على الانخراط في العلوم وجعلها مشوقةً وجذابة، ومعهد دسمان للسكري، الذي يؤدي دوره كمنارةٍ عالمية مهمة في دفع البحث العلمي بمجال مرض السكر، ومركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع، كحاضنةٍ للمبدعين والموهوبين في البلاد، ومركز جابر الأحمد للطبِّ النووي والتصوير الجزيئي، الذي يقدم لمرضى الأمراض المستعصية في الكويت أحدث وسائل التشخيص والعلاج باستخدام الطبِّ النووي، كما ساعد في إيجاد بيئةٍ أكاديمية مُتفرِّدة، تساعد على إجراء البحوث المتطورة في مختلف التخصصات العلمية والطبية والتعليم والتدريب. إضافةً إلى ذلك، أنشأت المؤسسةُ أكاديميةَ التقدم العلمي للتعليم والتدريب المستمر، التي تُعدُّ أحد أبرز منجزاتها في هذا الصدد.

ولأنَّ الجيل الصاعد هو مفتاح صنع المستقبل، كانت المؤسسة في طليعة الهيئات التي دعمت مجال تطوير العملية التعليمية بالتعاون مع وزارة التربية؛ فأنشأت أكاديمية الموهبة المشتركة – بنين التابعة لمركز صباح الأحمد للموهبة والإبداع، التي تهدف إلى اكتشاف قدرات الطلبة الموهوبين وتطوير مهاراتهم من خلال برامج إثرائيةٍ متعددة. وتُخطِّط المؤسسة لإنشاء أكاديميةٍ مماثلة للفتيات، وتوسيع المشروع لإنشاء أكاديمياتٍ في مختلف محافظات الكويت بالتعاون مع مركز صباح الأحمد ووزارة التربية.

ويظلُّ دور المؤسسة الأساسي هو الغرس للمستقبل، الذي يشهد يومًا بعد يومٍ ثمراتِ تلك الرؤية الثاقبة للتنمية المستدامة، التي أنشئت بفضلها مؤسسة الكويت للتقدم العلمي عام 1976، وتضافرت حولها الجهود لتُصبح المحفز الأكبر لتقدم المجتمع الكويتي وزيادة قدراته العلمية والابتكارية منذ أكثر من 40 عامًا.